أثقل الرحلات كانت في رأسي
لم تكن كل الرحلات التي أتعبتني حقيقية. بعضها لم يحدث أصلًا.
مع مرور الوقت أدركت أن جزءًا كبيرًا من الإرهاق الذي شعرت به في مراحل مختلفة من حياتي لم يكن بسبب ما حدث بالفعل، بل بسبب ما كنت أتخيل أنه سيحدث.
أحيانًا كنت أستبق الأحداث، وأفكر في الاحتمالات قبل وقوعها، وأرسم سيناريوهات طويلة لأمور لم تبدأ بعد. وفي كثير من المرات كنت أكتشف لاحقًا أن الواقع كان أبسط بكثير مما صنعه عقلي.
تعلمت أن الخوف من المشكلة قد يكون أحيانًا أكبر من المشكلة نفسها، وأن التفكير المستمر لا يغيّر النتيجة بقدر ما يستهلك الطاقة والهدوء.
ومع الوقت بدأت أفهم أن الحياة لا تُعاش في الغد، ولا في الاحتمالات البعيدة، بل في اللحظة التي نعيشها الآن. وأن كثيرًا من الأمور التي كانت تقلقني لم تحدث أبدًا، وكثيرًا من المخاوف التي حملتها لم تجد طريقها إلى الواقع.
لا يعني ذلك أن الإنسان يتوقف عن التفكير أو التخطيط، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين التفكير الذي يساعدنا على الاستعداد، والتفكير الذي يستنزفنا دون أن يغير شيئًا.
ومن أكثر الدروس التي تعلمتها أن بعض الرحلات تكون متعبة قبل أن تبدأ، ليس بسبب الطريق نفسه، بل بسبب ما نحمله معنا من مخاوف وتوقعات وهواجس.
اليوم أحاول أن أتعامل مع الأمور كما هي، لا كما أتخيلها. وأن أمنح نفسي فرصة لعبور التجربة قبل أن أحكم عليها، وفرصة لرؤية الواقع كما هو قبل أن أرسم له عشرات النهايات في رأسي.
وربما لهذا السبب أدركت أن أثقل الرحلات التي مررت بها لم تكن دائمًا على الطرقات، بل كانت تلك التي قطعتها داخل رأسي.
تعليقات
إرسال تعليق